أبي هلال العسكري
22
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وقد بلغك ما أصاب عثمان بن عفّان رضى اللّه عنه أول ما صعد المنبر فأرتج عليه ، فقال : إن اللّذين كانا قبلي كانا يعدّان لهذا المقام مقالا ، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل ، وستأتيكم الخطبة على وجهها . ثم نزل . وصعد بعض العرب منبرا بخراسان فأرتج عليه ، فقال حين نزل « 1 » : لئن لم أكن فيكم خطيبا فإنني * بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب ومن حسن الاعتذار عند الإرتاج ما أخبرنا به أبو أحمد ، قال : أخبرنا الشطنى : قال : أخبرنا الغلابي قال : أخبرنا العتبى عن أبيه ؛ قال : خطب داود بن علي ، فحمد اللّه جلّ وعزّ وأثنى عليه وصلّى على النبي صلى اللّه عليه وسلم فلما قال : « أما بعد » ، امتنع عليه الكلام ، ثم قال : أمّا بعد فقد يجد المعسر ، ويعسر الموسر ، ويفلّ الحديد ، ويقطع الكليل ، ؛ وإنّما الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام . وقد يعزب البيان ، ويعتقم الصّواب ؛ وإنما اللسان مضغة من الإنسان . يفتر بفتوره إذا نكل ، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل . ألا وإنا لا ننطق بطرا ، ولا نسكت حصرا ؛ بل نسكت معتبرين ، وننطق مرشدين ، ونحن بعد أمراء القول ، فينا وشجت « 2 » أعراقه ، وعلينا عطفت أغصانه ، ولنا تهدّلت ثمرته . فنتخيّر منه ما احلولى وعذب ، ونطّرح منه ما املولح وخبث ، ومن بعد مقامنا هذا مقام ، وبعد أيامنا أيام ، يعرف فيها فضل البيان ، وفصل الخطاب ، واللّه أفضل مستعان » . ثم نزل « 3 » . وعلامة سكون نفس الخطيب ورباطة جأشه هدوؤه في كلامه ، وتمهّله في منطقه .
--> ( 1 ) العقد الفريد : 4 - 96 ، 147 ( 2 ) وشجت : اشتبكت . ( 3 ) تروى هذه الخطبة لصالح بن علي ، وتروى لأبى العباس السفاح . وانظر زهر الآداب ( 2 : 285 ) ، وأمالي المرتضى ( 4 : 19 ) .